• الجزائريون مطالبون بشد الحزام

    الجزائريون مطالبون بشد الحزام


    مع انخفاض أسعار النفط و ما ترتب عن ذلك من تقلص في ميزانية الدولة، يبدأ الجزائريون سنةً شعارها التقشف.

     تمثل مداخيل المحروقات 95 %  من إجمالي  عائد الصادرات و 60 % من الميزانية، لذلك شهدت الجزائر تضاعف العجز المالي و مروره من 8 % من الناتج القومي الخام إلى 16 % في 2015 حسب صندوق النقد الدولي. لذلك لم يكن مستغربا تنصيص قانون المالية لسنتي 2017 و 2016 على عديد الإجراءات التقشفية و عدد من المعاليم الضريبية الجديدة، في محاولة من الدولة الجزائرية لتحقيق التحدي الصعب: تخفيض نسبة العجز إلى النصف.

     لتحقيق هذا الهدف، لم يتوانى الرئيس الجزائري عن اللجوء إلى اقتطاعات في الميزانية ودعوة الجزائريين لشد الحزام، رغم أنه تجنب لحد اللحظة ذكر كلمة " أزمة" و إن كان اعترف في فيفري 2016 بانخفاض عائدات النفط بنسبة 70 % في أقل من سنتين. منذ ذلك التاريخ، ازداد الوضع سوء حيث انخفضت عائدات المحروقات إلى 11.52 مليار يورو في الثلاثية الأولى من 2017 مقابل  17.20 مليار يورو في نفس الفترة من سنة 2015.


    اقتطاعات في الميزانية و تجميد للمشاريع

    تمُسّ أهم الإقتطاعات في الميزانية المقررة من طرف الحكومة مجال التجهيز حيث تقرر تخفيض إجمالي الإنفاق المخصص لهذا المجال بنسبة 28 % لذلك تم تجميد عديد المشاريع التي كانت مقررة ضمن الخطة الخماسية لفترة 2014 – 2019.  

    يحاول ألكسندر كاتب، عضو مجموعة التفكير و العمل لدى الوزير الأول عبد الملك بن سلال، تنسيب الأمور قائلا : " تسعى الدولة إلى ترشيد الإنفاق في هذا المجال و البحث عن حلول بديلة للتمويل من خلال الشراكة بين القطاع العمومي و القطاع الخاص".  لكن ألكسندر كاتب يعترف في نفس الوقت أن " الجزائر بحاجة إلى أن يرتفع سعر برميل النفط إلى حدود 80 دولار" لكي تخرج من منطقة الخطر، في حين يستقر السعر حاليا في حدود 50 دولار.

    يتضمن قانون المالية أيضا ارتفاعا في جملة من المعاليم الضريبية فقد ارتفعت الضريبة على القيمة المضافة  بنقطتين لتمر من 17 % إلى 19 %. أما نسبة التضخم فقد ارتفعت إلى حدود 7 %  في فيفري 2017 لذلك شهدت أسعار المواد الإستهلاكية ارتفاعا منذ شهر جانفي ليشهد الجزائريون تدهورا في مقدرتهم الشرائية  مقابل جمود في المرتبات. كما تواجه العائلات الجزائرية ارتفاعا في أسعار الطاقة و المحروقات. أما بالنسبة للتشغيل، فقد أثّر التخفيض في نسبة استيعاب الوظيفة العمومية للعاطلين عن العمل على الحركية الإقتصادية نظرا لأن القطاع العمومي يعتبر بمثابة المحرك للإقتصاد الجزائري. وقد بدأت بعض القطاعات فعلا، على غرار الإتصالات، الخدمات و قطاع السيارات،  في الإستغناء عن جزء من العمالة. و قد تسبّب انخفاض نسب الإستهلاك في تدهور الوضع أكثر فأكثر.


    نهايات أشهر صعبة

    ثلاثة أشهر بعد المصادقة على قانون المالية، تتفاقم الإنعكاسات السيئة للإجراءات الرامية إلى سد العجز على المواطنين، خصوصا ذوو الدخل المحدود. يقول أمين، عون الصيانة في مستشفى مصطفى باشا في الجزائر العاصمة : " لم تكن الحياة يسيرة من قبل... لكن منذ ارتفاع الضريبة على القيمة المضافة، لم يعد بمقدوري حتى ملء قفتي فالعشرون ألف درهم التي  أتقاضاها (200 يورو حسب السعر الرسمي للصرف و 110 يورو في السوق الموازية) تمكنني بالكاد من دفع مصاريف البيت و التزود بالسميد و البقوليات... لذلك أجد نفسي عاجزا على مواجهة أية مصاريف فجئية". و يعترف أمين أنه في هذه الحالة، يضطر إلى طلب قرض لمواجهة أي ظرف طارئ.

     ذوو الدخل المحدود ليسوا وحدهم من يشتكون من الوضع، فحليمة، أستاذة التاريخ و الجغرافيا بمعهد باستور، وسط الجزائر العاصمة، لا تخفي هي الأخرى تذمرها قائلة : " ظروف الحياة أصبحت صعبة بالنسبة أيضا للطبقة المتوسطة... لا أخفيكم أنني أكمل الشهر بصعوبة كبرى و الوضع يزداد سوء شهرا بعد شهرا فكل الأسعار ارتفعت بشكل مشط و احتياجات طفلاي تزيد باستمرار مع تقدمهما في السن... و لكي أحافظ على نفس المستوى المعيشي الذي كنت عليه منذ سنتين، أصبحت مجبرة على التدريس في المعاهد الخاصة إلى جانب عملي الأساسي... لكن هذا متعب جدا بالنسبة لي و لا أدري إلى متى بإمكاني التحمّل".

    أما الجزائريون الذين لا يملكون مساكن و يضطرون للإيجار، فالوضع أصبح لا يطاق بالنسبة لهم إذ وصل متوسط إيجار منزل مكون من ثلاث غرف إلى 350.000 درهم (350 يورو)، وهو ما يعادل مرتب مدرّس. يقول عبد اللطيف، الإطار البنكي، بهذا الصدد : " في الجزائر العاصمة، الحياة و إيجارات البيوت مكلفة جدا لذلك أضطر أنا و زوجتي لتخصيص مرتب كامل لدفع إيجار البيت. و يضيف محدثنا الذي يأمل أن تتم الموافقة على طلبه باقتناء أحد مساكن الإيجار : " لو اضطررنا لإيجار منزل طوال حياتنا فلن نستطيع التخطيط لأي شيء آخر و سنكتفي فقط بالعيش على الكفاف".


    ارتفاع كبير في الواردات

    أما العامل الآخر الذي يزيد في تعميق أزمة المالية العامة فهو بلا أدنى شك الإرتفاع المهول في قيمة الواردات التي بلغت سنة 2016  46.7 مليار دولار وهو رقم كبير بالنسبة لميزانية لا تنفك تخسر مصادر تمويلها. ففي شهر مارس الماضي، قدّر وزير التجارة عبد المجيد تبون قيمة المدخرات الممكنة ب 15 مليار دولار وهو ما يعادل تقريبا ثلث قيمة الواردات في  2016 . يُذكر أن أكثر من 32.000 شركة تنشط في مجال الإستيراد و أن الجزائر تستورد أكثر من 50.000 منتج نهائي. و في محاولة منها لوضع حد لهذا الوضع، عمدت الحكومة الجزائرية إلى فرض رخص للإستيراد و تشجيع الإنتاج المحلي.
    لكن رغم الأزمة، تحرص الحكومة الجزائرية على عدم القيام بأي تعديلات على منظومة الدعم التي تلقى انتقادا كبيرا لكونها تستنزف جزء كبيرا من الميزانية. أما الرئيس بوتفليقة، فلا يزال يكرر بأن الجزائر " بمقدورها مواجهة الأزمة". 

    في واقع الأمر، لم تصل الجزائر إلى مرحلة العجز فهي تملك في جرابها عديد الإمكانيات، من ذلك اعتمادها على صندوق لضبط الإيرادات و لإحتياطي مريح من العملة الصعبة في مواجهة تقلب أسعار النفط. لكن السيولة المتاحة  في صندوق ضبط الإيرادات في انخفاض متواصل وقد نزلت في بداية شهر جانفي الماضي تحت خط ال30 مليار دولار مما يهدد باستنزافها تماما في القريب العاجل و قد أعلن وزير المالية، حاجي بابا عامي، في هذا السياق أنه سيتم مجددا الإلتجاء للصندوق في 2017 من أجل سد العجز في الميزانية.

     في هاته الحالة، لن تبقى أي سيولة في الصندوق.

    أما إحتياطي العملة الصعبة، فقد قدر في أواخر سبتمبر 2016 ب 121.9 مليار دولار حسب محافظ بنك الجزائر، مقابل 179 مليار دولار في ديسمبر 2014 .

    و يتفق الجميع اليوم أن الجزائر إذا لم تجد سريعا بدائل للنفط، ستضطر إلى طرق باب صندوق النقد الدولي من أجل الإقتراض... و هي فرضية لا تمر دون أن تحيي في الجزائريين ذكرى سيئة من الماضي البعيد...

    مصطفى ورغلي
  • You might also like