• تحقيق: قصة مقالع الرمال بإقليم العرائش..ثروات في البرّ والبَحر

    www.hespress.com
    أن تجد منطقة ما في المغرب تتوفر على مقالع لاستخراج الرمال فهذا أمر وارد، لكن أن تجد منطقة تتوفر على مقالع في البر ورخص لاستخراج الرمال من البحر، فهذا أمر نادر، ولن تجده إلا في إقليمي العرائش والقنيطرة.
    في مدخل مدينة العرائش من جهة الطريق الوطنية المؤدية إلى طنجة، تشاهد العشرات من شاحنات نقل الرمال في صف طويل تنتظر دورها من أجل ملئ حمولتها من الرمال المستخرجة من المحيط.
    فضول هسبريس وتزامن حضورها لنهاية الاسبوع المنصرم بالعرائش دفعها من أجل إنجاز تحقيق في الموضوع لكشف المستور عن قصة الرمال بالإقليم، الكنز الذي يسيل لعاب كل المسؤولين القادمين إلى المدينة.
    بداية المقالع بالمنطقة، وتدفق المال
    القصة تبتدئ بشاطئ سيدي عبد الرحيم التابع لجماعة الساحل الذي كان ملاذا للتخييم لكل الفارين من ازدحام شاطئ رأس الرمل بالمصطافين، حيث ابتدأ استخراج الرمال بشكل عادي وغير ملحوظ إلى أن تم تشكيل تعاونية أرباب شاحنات نقل الرمال ومواد البناء بإقليم العرائش سنة 1993، تاريخ السماح باستعمال الحاملات الضخمة عوض التحميل اليدوي، ليبدأ العمل باستغلال المقلع الرملي المذكور بشكل مباشر ولمدة ثمان سنوات.
    تزايد نهم استخراج الرمال وأمام الطلب المستمر بفعل الضغط الناتج عن التوسع العمراني، وأوراش الطريق السيار العرائش طنجة، أدى إلى الانتقال لمقلع سيدي بوقصيبات التابع أيضا لجماعة الساحل. الذي استغلته التعاونية لمدة خمس سنوات.
    يفتخر الحاج بني حمدان رئيس التعاونية بكونهم قاموا بإنجاز الطريق المؤدية إلى المقلع والبالغة عشرة كيلومترات، مما ساهم في فك عزلة المنطقة وربط الجماعة بشاطئ سيدي بوقصيبات كما وفر عناء ومشقة التنقل على الراغبين في الذهاب إلى هذا الشاطئ.
    لكن، ما لم يذكره رئيس التعاونية لكونه يعرف جيدا أننا نعرف ذلك، هو أن الكميات الهائلة من الرمال المستخرجة قد ساهمت في اغناء الكثير من الاشخاص من داخل الحرفة وخارجها.
    قد يكون اغتناء أصحاب شاحنات نقل الرمال مشروعا ويمكن تبريره، لكن من الصعب تبرير اغتناء العديد من المسؤولين المتعاقبين على عمالة العرائش بين عشية وضحاها وبعض الموظفين والمنتخبين من جماعة الساحل الذين كانوا يراقبون المقلع ويغضون الطرف عن تطابق الكميات المستخرجة مع المصرح بها وعن عمليات التهريب التي كانت تقع ليلا وباستمرار.
    يذكر أحد قدامى رجال السلطة المتقاعدين بمدينة العرائش بنبرة ساخرة ممزوجة بالألم : "كل واحد كان كيدي الكاميلة ديالو، وكان كيميك، والكاتب العام الاسبق (ع. م) كيدي الباي الكبير، ولكن ربي كيخلص كلشي، تجمعو فيه جميع الامراض...".
    بعد مقلعي سيدي عبد الرحيم وسيدي بوقصيبات، وبعد نفاذ الرمال المتواجدة بهما، ستشد التعاونية المذكورة الرحال إلى مقلع اولاد صخار لتشرع في العمل به ابتداء من يناير 2007.
    سال الكثير من مداد الصحافة بخصوص مداخيل التعاونية التي صنفها بعض المتتبعين بمدينة العرائش بالصندوق الاسود للمخزن، حيث كانت تقوم بكل ما شق على عامل الاقليم ورئيس المجلس البلدي من جمع لركام عمليات البناء وتطهير المدينة من النقط السوداء وفتح عدد من المسالك، إلا أن رئيس التعاونية يرد قائلا: "فعلا كنا نقوم بكل هذا، بل وحتى الاعداد للزيارة الملكية سنة 2004 أبلينا فيه البلاء الحسن، ولكننا نعتبر قيامنا بذلك خدمة لمدينتنا ولوطننا ولملكنا، وليس خدمة لأحد آخر ولا ننتظر مقابلا من أحد، وإذا لم نكن نحترم القوانين الجاري بها العمل، لم نكن لنستمر مدة 19 سنة، ويتجاوز عدد المنخرطين 350 فردا وأكثر من خمسمائة شاحنة".
    من البر إلى البحر، مقدم منافس جديد
    سيلج سوق الرمال منافس قوي وشرس للتعاونية المذكورة سابقا، ويتعلق الامر بشركة متخصصة في استخراج رمال أعماق البحار، والتي تم منحها امتياز استخراج رمال قعر البحر من شاطئي جماعتي العرائش والساحل إلى حدود سنة 2018 خارج إطار الشفافية دون اللجوء إلى مسطرة طلب العروض، ودون موافقة اللجنة الإقليمية المكلفة بالمقالع. انطلقت الشركة المذكورة باستخراج حوالي 500 ألف متر مكعب سنويا من الرمال لتصل إلى مليون ونصف متر مكعب سنويا، وهي رمال يتم استخراجها من طبقة رملية على امتداد 12 كلم وبعرض كيلومترين وعلى عمق يتراوح بين 15 و35 متر تحت سطح البحر، قبالة الساحل. يقول أحد منخرطي التعاونية: "كميات الرمال المسموح لهذه الشركة باستخراجها تفوق بكثير الكميات المرخص للتعاونية استخراجها من مقلع اولاد صخار، كما أن المسؤولين بجهة طنجة تطوان يمارسون ضغوطا ممنهجة على أصحاب الشاحنات من أجل شراء الرمال المستخرجة من البحر بأسعار خيالية ألهبت السوق، بل وعند إغلاق مقلع هوارة بطنجة انتقل الثمن تدريجيا من 70 درهما إلى 130 درهما و150 درهما حاليا" ومن أجل الحفاظ على مخزون الرمال المتواجد بمقلع اولاد صخار إلى حين انتهاء مدة الاستغلال، يضطر منخرطو التعاونية إلى اقتناء رمال شركة الجرف الممزوجة بالوحل بالثمن المفروض عليهم. وكذلك من أجل المحافظة على توازن السوق من حيث العرض والطلب. وخوفا من إغلاق مقلع اولاد صخار والحفاظ على قوت أبنائهم.
    قادنا الفضول إلى البحث عن الشركة المستخرجة لرمال بحر العرائش، غير أننا صدمنا من هول ما اكتشفناه، وجدنا الامر يتعلق بشركتين: شركة درابور المكلفة بجرف الميناء واستخراج الرمال وشركة رمال فرع العرائش والتي تتكلف ببيع الرمال المستخرجة. والذي يربط شركة درابور بوزارة التجهيز، هو ترخيصان، الاول متعلق بجرف ميناء العرائش والمسمى "شابيطو"، وتتلقى الشركة المذكورة دعما ماليا من الوزارة نظير هذه الخدمة. والترخيص الثاني متعلق باستخراج الرمال من ساحل شاطئ سيدي عبد الرحيم، وتدفع الشركة المذكورة للوزارة مبلغا جزافيا قيمته 5 مليون درهم مقابل استخراج 500 ألف متر مكعب وزيادة 10 دراهم عن كل متر مكعب إضافي. وتوضع كل الرمال المستخرجة بمستودع كبير "سولار" بميناء العرائش وتقسم حسب جودتها إلى ثلاثة أصناف لكل منها ثمن بيعه.
    عند ذهابنا إلى مقر جماعة العرائش لاستقصاء المعطيات المتعلقة بشركة درابور على اعتبار أن من واجبها أداء الرسوم المفروضة على استخراج مواد المقالع والمحددة حسب القرار الجبائي للجماعة المحين سنة 2008، والذي يحدد قيمة الرسم في 6 دراهم للمتر المكعب، تبين لنا بالملموس عدم أداء الشركة المذكورة ولو لدرهم واحد، بل ولم تصرح حتى بالكميات المستخرجة، ورغم قيام الجماعة بكل إجراءات وخطوات التحصيل، إلا أنها لم تستطع استخلاص المستحقات التي تقدرها الادارة الجبائية بكونها تناهز 5 ملايين درهم، والامر يعود كما تمت الاشارة إليه في دورة الحساب الاداري لشهر فبراير 2012 إلى تقاعس القابض عن الحجز على حساب الشركة المذكورة وعدم استخلاصه لمبلغ الضمانة المؤقتة المودعة من أجل رفع الحجز رغم انتهاء الاجل المحدد قانونا، واستخراج شركة درابور لحكم استعجالي صادر عن القضاء الاداري يقضي برفع الحجز، اضطرت على إثره جماعة العرائش إلى استئنافه، ولا زالت القضية لم تحسم بعد في دهاليز المحكمة الادارية بالرباط.
    وللإشارة فشركة درابور هي في الأصل "الشركة المغربية لجرف الموانئ"، تم إنشاؤها سنة 1984، كشركة متخصصة في جرف الموانئ. ووسعت الشركة منذ ذلك الحين مجالات نشاطها لتشمل العديد من الاشغال والخدمات القريبة من مجال نشاطها الرئيسي كالدراسات البحرية وجرف السدود والخزانات المائية. وفي السنوات الأخيرة طورت الشركة نشاطا جديدا مرتبطا بالبناء والأشغال العمومية من خلال استغلال الرمال الجوفية التي تقتلعها من أعماق البحر وتسويقها لأغراض البناء والأشغال العمومية كبديل لرمال الشواطئ، إضافة إلى استعمال رمال أعماق البحار لإعادة ترميم الشواطئ التي تضررت من الاستغلال المفرط لها كمقالع للرمال.
    وقد قامت الحكومة المغربية بعملية خوصصتها كاملة سنة 2007، حيث فازت بها شركة «ساترام» للنقل البحري وخدمات الموانئ، وهي شركة غابونية تنتمي إلى مجموعة تجارية كبرى في ملك رجل أعمال مغربي شهير يعد من كبار المستثمرين المغاربة بدولة الغابون، حتى أنه يحكى من قبيل السخرية أنه قد ألمح بعضهم إلى امكانية شرائه لمقابلة المغرب الغابون برسم نهائيات كأس أمم افريقيا الاخيرة، لكن الامر لم يتم ربما لعدم اهتمامه بلعبة كرة القدم بقدر ولعه بلعبة استخراج الرمال من أعماق البحار.
    تطور النزاع بين شركة "رمال" فرع العرائش وتعاونية نقل الرمال بالعرائش
    سيبلغ الصراع أشده بحلول يوم السبت 17 مارس 2012 حيث دخلت شغيلة قطاع نقل الرمال ومواد البناء التابعة لإقليم العرائش اضرابا واعتصاما مفتوحا بمدخل مدينة العرائش ومينائها، احتجاجا على ولوج الشاحنات الكبرى التابعة لولاية جهة طنجة وغيرها إلى إقليم العرائش، من أجل شحن رمال الشواطئ من شركة رمال "فرع ميناء العرائش"، وعدم التزام نفس الشاحنات الصغرى بشحن كميات الرمال من منطقة كروشي الجيلالية فقط. وهي النقطة المتفق عليها منذ إغلاق مقلع هوارة سنة 2006.
    وسبب ذلك أن والي جهة طنجة تطوان سمح مؤخرا للشاحنات التابعة لمدينة طنجة بولوج مدينة العرائش من أجل نقل الرمال المستخرجة من ميناء المدينة في مقابل عدم السماح للشاحنات القادمة من العرائش بولوج مدينة طنجة لبيع حمولتها، ومن خلال حديثنا مع بعض العاملين في القطاع تبين أن هناك بعض كبار المقاولين في مجال الرمال يشترون الرمال المستخرجة من البحر بمبلغ أقل من الثمن الذي تباع به الرمال إلى التعاونية بحجة أنهم يشترون كميات كبيرة جدا ويبيعونها بنفس المبلغ بمدينة طنجة تبييضا لأموالهم ومن أجل احتكار السوق. وفي هذا إضرار بمبدأ المنافسة الشريفة وتكريس لاقتصاد الريع واحتكار السوق من طرف البعض.
    وقد أثمر اللقاء المنعقد أخيرا مساء يوم الاثنين بمقر عمالة إقليم العرائش والذي جمع ـكافة الاطراف من مدينتي طنجة والعرائش عن اتفاق أولي يقضي بتوحيد ثمن بيع رمال شركة درابور للجميع، مع عودة الشاحنات القادمة من مدينة طنجة إلى اقتناء الرمال المودعة بمستودعات كروشي الجيلالية مقابل وصولات تسلمها التعاونية.
    مقالع أخرى غير قانونية
    وبالإضافة لكل المقالع التي تكلمنا عنها، فإن هناك مقالع كثيرة غير مرخصة لاستخراج الرمال منها، ونخص بالذكر مقالع برغة، الهيايضة، والغديرة والعوامرة المركز، حيث تقوم مجموعة من الشاحنات بسرقة الرمال من هذه الأماكن ليل نهار بدون حسيب ولا رقيب، تقوم بأداء الاتاوات لبعض رجال السلطة ومسؤولي الامن، مما يتسبب في حرمان خزينة الدولة من مداخيل هامة، وإلحاق أضرار جسيمة بالبيئة نتيجة غياب دراسات يلزمها القانون ونهب لثروات البلاد وإلحاق أضرار اقتصادية لشركة درابور وتعاونية نقل الرمال، اللتان تؤديان مستحقاتها إلى وزارتي التجهيز والداخلية.
    استغلال المقالع الرملية بين نصوص قانونية مهترئة وغياب المخططات الجهوية
    "الظهير المنظم لقطاع الرمال يعود لسنة 1914، وقد أضحى متجاوزا بالنسبة للمهنيين، والقانون الجديد٬ الذي سيحل محله سيعود بالنفع على المواطنين والشركات"، هذا ما صرح به وزير التجهيز والنقل في أحد البرامج التلفزيونية، وأضاف بأن القانون المؤطر لاستغلال مقالع الرمال الجاري تحضيره يذهب في اتجاه حماية البيئة، وإقرار الشفافية والتنافسية في القطاع وضبط مداخيله.
    أما عن القانون المنظم للمراقبة، فيتعلق الامر بالظهير الشريف الصادر بتاريخ 2 نونبر 1926 المتعلق بشرطة الملك العمومي البحري، والذي يحدد الغرامات المترتبة عن استخراج الرمال بدون ترخيص من الملك العمومي في 500 درهم عن كل متر مكعب.
    ورغم صدور القانون رقم 08-01، المتعلق باستغلال المقالع، في 2002 ، فإنه لم يفعل لعدم صدور المراسيم التطبيقية المتعلقة به. وفي محاولة لتجاوز هذا الفراغ القانوني، صدر منشور عن الوزير الأول، بتاريخ 14 يونيو 2010، بشأن استغلال المقالع ومراقبتها، طالب الجهات الوصية بالتدخل لوقف مجموعة من الاختلالات التي يعرفها قطاع استغلال المقالع، وتهم بالأساس طرق الاستغلال وتنامي ظاهرة المقالع العشوائية ونهب رمال الكثبان الساحلية والرمال الشاطئية. كما نص على أن وزارة التجهيز والنقل هي السلطة الحكومية التي تنظر في طلبات استغلال مقالع الرمال، إذ تدرس الوزارة هذه الطلبات لمعرفة مدى توفر الشروط المطلوبة قبل منح التراخيص، وذلك على أساس دفتر تحملات.
    كما صدر قانون دراسة التأثير على البيئة رقم 12- 03 يؤكد على توفر الموافقة البيئية قبل الترخيص باستغلال المقلع الرملي من أجل تفادي الانعكاسات و التأثيرات البيئية. وإذا تم تقديم شكاية أمام المحكمة المختصة ضد أي ترخيص أو قرار بالموافقة على مشروع ما لسبب عدم توفر قرار الموافقة البيئية، تأمر المحكمة و بصفة استعجالية بإبطال الرخصة أو قرار الموافقة بمجرد التحقق من عدم توفر هذا القرار .
    كما أن غياب مخططات جهوية لتدبير المقالع يقتضي إيجاد حلول واقعية وملموسة على الصعيد المحلي لتلبية حاجيات قطاع البناء والتعمير في إطار معقلن يتماشى مع التشريعات والقوانين الجاري بها العمل وفي إطار توجه يحترم التوازنات البيئية المحافظة على الموارد الطبيعية.
    ويستمر الصراع على الرمال كفصل متكرر داخل الرواية
    ينهي كلامه معنا مبتسما – الحاج بني حمدان رئيس تعاونية أرباب شاحنات نقل الرمال ومواد البناء بإقليم العرائش- : "بانتهاء أزمة درابور وطنجاوة ها نمشيو نشوفو ملف ولاد صخار". بالفعل عند تصفحنا لشريط الاحداث نجد أن مشاكل الرمال بالإقليم لا تنتهي، بل انتابنا شك بأن هناك أياد خفية تحاول دائما جعل الملف فوق نار مشتعلة لا تنطفئ، ربما ليستمر تسليم الاتاوات المخصصة للمسؤولين وعمليات التهريب وتبييض الاموال، وما هذا كله إلا غيض من فيض استطعنا معرفته واختصرناه تفاديا للتطويل والاسهاب، ويبقى منتظرا من رئيس الحكومة عبد الاله بن كيران، ووزيره في التجهيز عبد العزيز رباح ما سيقومان به من خطوات اجرائية لمحاربة الفساد المرتبط بالمقالع الرملية وتصحيح الوضعية عبر حصر الحاجيات الحقيقية من رمال المقالع وتحديد المواقع القابلة والممكنة للاستغلال وضبطها ومعالجة الاختلالات التنظيمية على مستوى الشحن والتوزيع، وتمكين الاسر المحتاجة والفقيرة المستحقة من الاستفادة، بدلا من تكريس اقتصاد الريع الذي حول المقالع الرملية إلى أثداء ممتلئة تمتص لبنها قلة من أباطرة العهد القديم.
  • You might also like