• استخدام الماء صناعيا


    تبين مما سبق أن 20 في المائة من المياه العذبة والمستخدمة عالميا تذهب للاستخدام الصناعي "في حين تذهب 10 في المائة للاستخدام المنزلي أو البلدي و70 في المائة للاستهلاك الزراعي". هذه النسبة تتأثر بمدى تقدم الدولة صناعيا بالطبع. ففي الدول الإفريقية وبعض الدول الآسيوية تهبط هذه النسبة إلى أقل من 10 في المائة وفي الدول المتقدمة ترتفع إلى ضعف - وأحيانا ضعفي هذه النسبة. ومن المتوقع زيادة هذه النسبة نتيجة الزيادة السكانية والتطور الصناعي عالميا "خاصة في الدول الآسيوية"، حيث يتوقع أن يزداد الطلب الصناعي على المياه إلى ضعف الكمية الحالية بعد أقل من 15 سنة فقط من الآن. وهذا ليس بغريب فقد تضاعف ذات الطلب ثلاث مرات في الـ 50 سنة الماضية فقط. ويمكن تقسيم استخدامات المياه الصناعية إلى قسمين رئيسين: استخدام بسيط "لا يغير من التشكيلة الكيميائية للماء" واستخدام مركب "يغير من تركيبة الماء الكيميائية بإضافة ملوثات إليه". القسم الأول ببساطة يتمثل في استخدام الماء في محطات التوليد الكهربائية، حيث يستخدم الماء في التبريد بشكل أساسي وهذا يمثل تقريبا 50 في المائة من المياه المستهلكة صناعيا. أما استخدامات الماء المركبة التي تنتج ماء ملوثا فكثيرة كمصانع البتروكيماويات والمناجم والجلود وغيرها. سنناقش الاستخدام الصناعي للمياه بعجالة من ثلاثة محاور: أولا، أين يذهب هذا الاستهلاك تحديدا (في أية صناعة)؟ وثانيا كيف يمكن الحد من هذا الاستهلاك؟ وأخيرا، ما الخطر الناتج عن المياه المستخدمة في الصناعة عند إرجاعها إلى المصادر المائية، وكيف يمكن معالجة هذا التلوث؟ بالنسبة للمنتجات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه فكثيرة ومنها المنتجات الورقية التي تستهلك في المتوسط 324 لترا من المياه النقية لإنتاج كيلو جرام واحد من الورق. الصناعات الحديدية هي أيضا مستهلك شرِه للمياه، حيث يتطلب إنتاج كيلوجرام واحد من الصلب استخدام 95 لترا من المياه. من الصناعات الشرهة للمياه أيضا صناعة الإلكترونيات والمشروبات الغازية، حيث يستخدم 500 لتر من الماء لإنتاج عبوة 2 لتر من المشروبات الغازية! محليا، يبلغ متوسط الاستهلاك الصناعي السعودي أقل من 100 متر مكعب للشخص الواحد سنويا. وهو معدل يقل بكثير عن ذات الرقم في أوروبا وأمريكا الذي يتجاوز 500 متر مكعب للشخص الواحد سنويا. سبب قلة هدر الماء صناعيا في السعودية (قد) يعود في الأساس إلى نوعية الصناعة الموجودة. فالصناعة السعودية في مجملها هي صناعة بترولية/ بتروكيماوية وهذه صناعات غير شرهة للمياه بشكل مبالغ فيه. يقدر الباحثون أن إنتاج لتر واحد من الجازولين مثلا يحتاج إلى عشرة لترات من الماء تقريبا. السبب الثاني في تقديري هو أن أغلب الصناعات المتقدمة تتركز في شركتين فقط "أرامكو السعودية وسابك" وهما شركتان تمتلكان إدارة حسنة للموارد بشكل عام. المحور الثاني: كيف يمكن الحد من هذا الاستهلاك أو ترشيده؟ الاستثمار في صناعات غير شرهة للمياه يبدو حلا منطقيا، لكن الأمور ليست بهذه البساطة، فالاستثمار الصناعي يبنى على الفائدة أو المردود المالي فقط دون اعتبار - في الغالب - للبيئة أو المصادر الطبيعية. إن أمكن ذلك فحسن وإن تعسر فينبغي عندها تحريم استخدام المياه الجوفية أو السطحية كمصدر مباشر للاستخدام الصناعي، بل يجب إجبار المصانع إلى التوجه ناحية البحر أو استخدام مياه الصرف المعالجة. كما ويمكن تتبع الخطة الناجحة التي أتبعتها مدينة لاس فيجاس بقيادة المرأة الأبرز في تاريخ الإدارة المائية في أمريكا باتريشيا ملروي. فقد قامت برفع التعرفة المالية للاستهلاك الصناعي الشره للمياه وإجبار الكثير من الصناعات، بل حتى الفنادق بمعالجة مياه الصرف الصحي واستخدامها - ولنا عودة إلى تجربة لاس فيجاس الناجحة لاحقا. حتى وإن أدت هذه القرارات إلى خروج بعض المصانع من السوق، فقيمة المياه الجوفية - في بلد شحيح المصادر مائيا مثل السعودية - يجب أن تكون أغلى من أي سلعة أخرى، بل إن الكثير من المصانع في بلدان تعاني من مشاكل مائية تُعلق إنتاجها في الصيف - كما يحصل في الهند مثلا - أو تضطر إلى الإغلاق نهائيا والانتقال إلى أماكن أخرى. إذن فوجود سياسة مائية شاملة للحد من الاستهلاك الجائر هي ذات أهمية قصوى لضمان استمرار المصانع نفسها، بل هي الحل الوحيد لضمان بقاء وتطور الصناعة. في أمريكا مثلا، كان الاستهلاك الصناعي في العام 1980 في حدود 440 مليار جالون يوميا، ومع وجود سياسة مائية صارمة، انخفض الاستهلاك إلى قرابة 410 مليارات جالون يوميا في عام 2010. المذهل حقا أن هذا حدث من دون أن يؤثر سلبا على الصناعة، بل تضاعف الاقتصاد من ستة تريليونات عام 1980 إلى 13 تريليونا في عام 2003 وزاد عدد السكان 70 مليون شخص.. الحل في الإدارة. أخيرا وبجانب التركيز على التقليل من الاستهلاك الصناعي للماء فمن المهم أيضا التنبه للخطر الناتج عن إلقاء الماء المستخدم صناعيا في البحر أو حتى في باطن الأرض. يقدر الباحثون أن 70 في المائة من المياه المستخدمة صناعيا في دول (العالم الثالث) يتم إلقاؤها في المسطحات المائية من دون أي معالجة وأن 400 مليون طن من الملوثات المختلفة السامة سنويا تجد طريقها إلى الماء. الغالبية للأسف يعتقدون أن البحر أو طبقات الأرض لديها القدرة على معالجة السموم والمواد الكيماوية الموجودة في الماء الصناعي وتفكيكها بشكل نهائي وهذا غير صحيح. في المقالات السابقة رأينا بعض حالات التسمم الشهيرة التي نتجت عن إلقاء الماء الصناعي غير المعالج في البحر - كحالة ميناماتا في اليابان - أو وصوله إلى باطن الأرض كتسمم المياه الجوفية بسداسي الكروم في بلدة هنكلي في كاليفورنيا.
  • You might also like