• قصة صناعة الأخطبوط المائي “سيدي علي” في تارميلات


    عن بداية اكتشاف نبع المياه المعدنية “سيدي علي” يروي أهالي منطقة تارميلات قصة، تتردد بحيثيات متقاربة على كل الألسن، حيث يقال إن نبع “أولماس” اكتشف أولا في عهد الاستعمار، إذ رُصد وجود سحابة من البخار، ما دفع المستعمر إلى النزول إلى المنطقة، حيث وجد نبع “اولماس”، الذي كان ولا يزال ماؤه يخرج من الأرض بدرجة حرارة مرتفعة، قبل أن يكتشف نبع “سيدي علي”.
    وتقول رواية أخرى إنه في عهد الاستعمار كذلك، حصل أحد المستعمرين، المهتمين بالثروات المائية في المملكة المغربية على امتياز استغلال المياه المعدنية في حوض “أولماس” في عام 1933، بظهير شريف، حيث كان صبيب العين 70 متر مكعب في الساعة من الماء.
    وينص الظهير، الذي وثق اتفاقا بين المدير العام لإدارة الأشغال العمومية، والمعمر “جون برطان”، على أن شركة “استغلال عيون المياه المعدنية أولماس” ستستغل نبع العين، قبل أن يتحول الاستغلال إلى والد مريم بنصالح، عبد القادر بنصالح، الذي أسس شركته بداية بشراكة مع أصدقائه، ثم أشترى أسهمهم ليصبح المالك الوحيد لـ”سيدي علي، وأولماس”.
    وبعد الأب، عبد القادر بنصالح، وصلت الابنة مريم بنصالح، قادمة من كبريات مدارس فرنسا، وأمريكا، لتجعل من النشاط التجاري لوالده، أخطبوطا مائيا يسيطر على أزيد من ستين في المائة من السوق المغربي.
    ماء “سيدي علي”، والماء الغازي “أولماس”، الذي تحمل الشركة اسمه، ومنتوجات أخرى، جعلت من مريم بنصالح أكثر الأشخاص قدرة على بيع الماء، وجمع الثروة، وتدعيم رأسمال الهوليدينغ “أولماركوم”، الخاص بعائلتها، والذي يضم بالإضافة إلى “أولماس” كلا من شركة التأمين “أطلنتا”، وشركة للطيران المنخفض التكلفة، وفروع أخرى تتخصص في الصناعة، والعقار، والتجهيزات المنزلية.
    تارميلات منبع “سيدي علي”.. الماء لساعات قليلة في اليوم
    دوار تارميلات، الذي يضم منابع تروي 70 في المائة من سوق الماء المعدني في المغرب، وتستوطنها واحدة من أكبر الشركات المغربية، أصبح أهلها مهددون بالعطش.
    يحكي الأهالي في شهاداتهم لـ”اليوم 24″ أنه، خلال السنوات الأخيرة، بدأت المنطقة تعاني انقطاعات متكررة في مياه الشرب، التي يوزعها عليهم المكتب الوطني للماء الصالح للشرب مباشرة دون وسيط.
    الانقطاعات في الماء تزايدت، خلال الأيام الأخيرة، إذ تقزمت فترة توفر الماء بشكل عاد في صنابير بيوت المنطقة إلى ساعات قليلة في اليوم، تتباين حسب منطقة مواقع البيوت، ما بين مرتفعات، ومنخفضات.
    “الحكرة”، التي يشعر بها أهالي تارميلات، بادية عليهم من خلال حديثهم، إذ يكررونها في كل تصريحاتهم، وأصبحت أكثر كلمة يعبرون بها عن معاناتهم، خصوصا وهم يشاهدون شاحنات، قد يصل عددها إلى 150 شاحنة، محملة بالمياه، تخرج من منطقتهم لتوزعه على ربوع الوطن، بينما صنابيرهم جفت من الماء، الذي أصبح حلما بعيدا أن يجدوه فيها في كل الأوقات.
    شبح 1999 يغذي الخوف
    على الرغم من أن دوار تارميلات لا يتجاوز عدد سكانه بضع مئات، إلا أن الزائر للمنطقة يمكنه أن يقف بسرعة على مظاهر الفقر، والفاقة، والتهميش، التي يعانيها قاطنوه، حيث إن مآوي أغلبهم من صفيح، وبلاستيك، وطين، وعلى الرغم من ذلك، يتملكهم الخوف كلما حدثهم غريب عن معاناتهم.

    ويذكر كل أهالي تارميلات أحداث عام 1999، إذ طردت شركة “سيدي علي” ما يقارب 200 عاملا من أبناء المنطقة، فأعقبتها احتجاجات لم تتوقف إلا بتدخل عنيف لفضها بالقوة.
    ويتحدث العديد من أهالي تارميلات عن أن هذه الأحداث، زرعت الخوف في قلوبهم، وجعلتهم يرضون بقسمتهم، حتى لو كانت غير عادلة، إذ رضوا بالخنوع، والصمت، مجنبين أنفسهم وأهليهم حالة الرعب، التي لم تفارقهم تفاصيلها، على الرغم من مرور ما يقارب العشرين سنة عليها.
    ولم تخلف أحداث عام 1999، فقط، الخوف، الذي عشش في قلوب وعقول آهالي ترميلات، بل فاقمت معاناتهم، بعدما وجدوا أنفسهم بلا عمل يضمنون به قوت العيش لعائلاتهم، إذ لا يزال أغلبهم عاطلا عن العمل، إلى حدود اليوم.
    الوصول إلى منابع “سيدي علي” المهمة الصعبة
    مهمة الوصول إلى منابع ماء “سيدي علي”، أو “أولماس”، مهمة شبه مستحيلة في تارميلات، بسبب الإجراءات الأمنية، المشددة، التي تفرضها الشركة على المنابع، التي تستقي منها المياه.
    منبع المياه الغازية “أولماس”، يوجد في منحدر وراء معمل “سيدي علي”، الرحلة إليه وسط الجبال، مشيا تتجاوز مدتها الساعتين، وعلى الرغم من أنه في غابة، إلا أن الشركة تمنع كل غريب من الاقتراب منه، حيث تطوق المكان، وتنزل حواجز حديدية لقطع الطريق.
    أما مياه “سيدي علي” فتحيط الشركة منبعها بسياج حديدي، وتضع أمام كل من منابعها حراسا يحققون في هوية كل مار، وينقلون المعلومة إلى مسؤوليهم عن أي غريب عن المنطقة، متوجسين، تزامنا مع حملة المقاطعة، التي استهدفت الشركة، من عدسة تصور، أو مستطلع.
    النبع المحفوف بالمخاطر  
    تارميلات لا تضم، فقط، نبع مياه “سيدي علي”، ولكن نبع مياه “أولماس” كذلك، والتي يوجد منبعها الأساسي في غابة محاذية لمعمل الشركة المصنعة للمياه المعدنية، بمسيرة ساعتين مشيا على الأقدام، يتراءى نبع “أولماس” في منخفض الجبل.
    يحكي أهالي المنطقة أنه من قبل، في بدايات القرن الماضي، كان العمال يشتغلون في المنبع في المنحدر، ويتم نقلهم، ونقل الماء كذلك عن طريق “التيليفيريك”، أو المصعد الهوائي، الذي لا تزال معداته موجودة، غير أن الشركة انتقلت بعد ذلك إلى استعمال أنابيب، تنقل الماء من المنحدر إلى المصنع، عن طريق مضخات أربعة متفرقة، تدفع الماء بقوة إلى المعمل، لتتم تعبئته في القناني الجاهزة للتسويق، فيما لا يزال نبع “أولماس” ينضح ماءً.
    مياه الآبار في قناني “سيدي علي”
    منذ اندلاع الحملة الأخيرة لمقاطعة المنتجات الاستهلاكية الثلاثة، ومن بينها المياه المعدنية “سيدي علي”، خرج العديدون يقولون إن منبع عين “سيدي علي” لم يعد موجودا، والمياه، التي توزع اليوم في قوارير “سيدي علي” ما هي إلا مياه عادية معالجة، وللوقوف على حقيقة الأمر انتقل “اليوم 24″ إلى النبع الرئيسي لـ”سيدي علي”.
    على مشارف تارميلات، يسارا، وفي طريق غير معبد، تجد يمينا لافتة “منبع سيدي علي”، قبة بيضاء، محاطة بسياج حديدي، وحراسة مشددة، وخوف من كل عين تقترب من النبع.
    وعلى الرغم من خوفهم من التصريح، إلا أن حراس منبع “سيدي علي” أكدوا ما تداوله أهالي تارميلات بأن العين الأساسية لمياه “سيدي علي” لا تزال تنضب ماءً، إلا أن مياهها أصبحت شحيحة، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تغطي الحاجيات الكبيرة للشركة، ما دفع هذه الأخيرة للبحث عن حلول أخرى لتغطية احتياجاتها الإنتاجية من مياه “سيدي علي”.
    وأكد باحثون كلام الأهالي، أن الشركة اعتمدت منذ سنوات على تقنية حفر آبار في الأراضي المحيطة بالنبع الرئيسي لـ”سيدي علي”، حيث تحل شركة تنقيب عن الماء بأراضي المنطقة، وتشتري كل أرض وجدت فيها نبع ماء، ثم تحفر فيها بئرا ينقل ماؤه عبر قنوات خاصة تحت الأرض إلى النبع الرئيسي لـ”سيدي علي”، ثم من النبع إلى المعمل، حيث تتم معالجتها، وتعبئتها قبل نقلها إلى الأسواق.
    الآبار المحفورة في المنطقة لتغطية احتياجات شركة “سيدي علي” من الماء يتجاوز عددها 10 آبار، منها آبار اشترت الشركة الأراضي المحيطة بها، ومنها أخرى اكترتها من الأهالي، مقابل مبالغ مالية متواضعة جدا، حسب ما أدلوا به.
    وتستعمل الشركة تقنية معالجة المياه من البكتيريا عبر معدات خاصة، يتم تجهيز كل بئر فيها، قبل نقلها إلى المعمل لاستكمال عملية المعالجة، والتعقيم قبل التعبئة.
    مياه “سيدي علي” هل هي مياه معدنية؟
    بعد الوقوف على حقيقة أن أكبر نسبة من المياه المعبأة في قناني “سيدي علي” ما هي إلا مياه آبار منطقة تارميلات، كشف أحد الباحثين في المياه المعدنية في التارميلات حقيقة هذه المياه، وقال في تصريح خاص لـ”اليوم 24″، إن منطقة تارميلات لا تضم فرشة مائية، وإنما ما يشبه وديانا مائية، ما يمكن الشركة من حفر آبار متقاربة، والاستفادة منها بشكل متزامن.
    وعما إذا كانت مياه الآبار معدنية، فعلا، قال الباحث في سلك الدكتوراه في جامعة ابن طفيل، إن كل مياه منطقة تارميلات تتمتع بخصائص متقاربة، ما يعني أن معايير مياه الآبار قد تكون أقل جودة من مياه نبع “سيدي علي” الأساسي، غير أنها تتمتع بخصائص معدنية كذلك، لأنها تنتمي إلى المنطقة نفسها.
    هكذا ترد “سيدي علي” 
    بعد صمت طويل، منذ اندلاع حملة مقاطعة قناني مياهها، وتأرجح أسهمها في البررصة، خرجت الشركة المالكة لـ”سيدي علي” عن صمتها، في بلاغ لها، نشرته، أول أمس الأربعاء، لتدافع عن نفسها، وترد على ما يروج حول الموضوع.
    وقالت الشركة، في بلاغ لها، إن استغلالها لمياه المنبع ليس مجانا، بل إنه يخضع لضرائب ورسوم مهمة، وعلى سبيل الإشارة فقط، فإن “أولماس” للمياه المعدنية،، في عام2017، أدت 657.072.912 درهما كضريبة لجماعة ولماس، وفي عام 2017، فإنها ارتفعت لتبلغ 99.056.958 درهما، أما رسم استغلال المنبع المائي لعام 2017، فبدوره بلغ 48.288.916 درهما.
    وتقول الشركة إنها تعمل على توفير فرص الشغل، التي ارتفعت إلى 2010 مستخدمين، في العام الماضي، مقابل 1860مستخدما في عام 2016، أي أنه تم إنشاء 150 منصب شغل جديد في عام واحد، ثلث هذه الوظائف تم خلقها في مركز التعبئة، الذي يعكس مدى تجذرها القوي محليا، وتوفر الشركة بالموازاة مع ذلك ما يزيد عن 7900 منصب شغل غير مباشر، ما يجعل إجمالي مناصب الشغل يصل إلى ما يقرب 10 آلاف منصب مباشر، وغير مباشر.
    آمال تارميلات المعلقة على “المقاطعة”
    بعد اندلاع موجة “المقاطعة”، التي سلطت الضوء بشكل غير مسبوق على حقيقة عدد من المنتجات الاستهلاكية، من بينها مياه “سيدي علي”، التي تصل إلى كل المدن المغربية، قادمة إليها من تارميلات، يراهن الأهالي في المنطقة، التي يصفونها بالمنكوبة، أن يماط اللثام على حقيقة قرية يستفيد الجميع من خيراتها إلا هي.
    تارميلات، التي تضم المنبع الأصلي لمياه “أولماس”، ومياه “سيدي علي”، والآبار التابعة للشركة، يؤكد أهلها أنهم يموتون عطشا، وتتفاقم معاناتهم في فصل الصيف، وشهر رمضان، حيث يصعب توفير قطرة ماء للشرب، أو لقضاء الحاجيات الأساسية لكل إنسان.
    ويرى أهالي ترميلات، ممن تحدثوا مع “اليوم 24” أن الالتفات إلى منطقتهم، خلال هذه الحملة، التي انخرط فيها جزء من المغاربة، هو آخر رهانات إزاحة التهميش عنها، وإنصافهم، بتمتيعهم بحقهم الطبيعي في ثروات بلدتهم، عبر ضمان نصيبهم من الماء الشروب على الأقل، وبتمتيع أبنائهم، ممن دفعتهم الظروف إلى الهجرة إلى مدن أخرى، أو مجابهة الموت في قوارب الهجرة غير الشرعية، بمناصب شغل، ومشاريع تضمن حركة اقتصادية في المنطقة.
  • You might also like