• الماء في الجزائر


     الماء مؤشر، بلا منازع، لنمط معيشة السكان. فهو يؤثر، من خلال نوعيته وتوفره أو ندرته، على تفكير الناس وسلوكهم وصحتهم وحياتهم اليومية، ليبقى أولاً وأخيراً مصدر الرخاء أو التقهقر.
    تقع الجزائر في منطقة تعد من المناطق الأسوأ حظاً من حيث توفر المياه. وليس الانفجار السكاني والتوسع الاقتصادي وحدهما ما يزيد الحلق ظمأ، وإنما أيضاً موجة الجفاف التي اجتاحت البلاد مدة عشريَّتين متتاليتين، وانعكست بصورة كارثية على مصادر المياه والبيئة والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية. ويتجلى هذا على الخصوص في تراجع تزويد ماء الشرب في المدن وتقلص الانتاج الفلاحي والنشاط الصناعي.
    في هذه الاثناء، تتربع الجزائر على نحو 15 بليون متر مكعب من المياه السطحية المتدفقة، أودية وأنهاراً، في شمال البلاد، غالبيتها يمكن استغلالها، وهي تختزن في جوف الأرض ما يقارب 2,5 بليون متر مكعب في السنة. ومع أخذ التسربات في الاعتبار، يبقى نحو 11,5 بليون متر مكعب في السنة بتصرف نحو 30 مليون نسمة هم في ارتفاع مطرد.
    لم تستثمر الجزائر كثيراً في مجال إنشاء السدود، ومعظم السدود الموجودة يغمرها الوحل، علاوة على ضياع 40 في المئة من الماء بسبب قدم شبكات توزيع ماء الشرب. وما لا يبعث على الارتياح تخوف الخبراء من السنوات المقبلة حين تجد الجزائر نفسها بين مطرقة الندرة وسندان الطلب. والحل يكمن، في رأيهم، باجراء تشخيص دقيق للمخزون المائي واستعماله، ومعرفة طرق استغلاله وتسييره وتوزيعه على مختلف القطاعات، لا سيما قطاع الفلاحة الذي يستهلك وحده نسبة 80 في المئة من الكمية المتوافرة، وتصور حلول مسبقة لمشاكل قد تطرأ انطلاقاً من مبدأ "خذ الاحتمال الأسوأ واعمل عليه".
    حقائق وأرقام
    تقدر الاحتياجات الوطنية للماء في الجزائر بـ6 بلايين متر مكعب سنوياً، بينما الموجود في السدود والآبار 2,5 بليون فقط، تحذف منه الكمية الضائعة والمتسربة التي تتجاوز 57 في المئة، مع وجود شبكة توزيع تقادمت جداً.
    وهناك 6 محطات تصفية فقط تعمل، من بين 45 محطة موجودة، منها 24 في حالة توقف بسبب غياب أو سوء الصيانة التي تكلف ما يفوق 1,4 بليون دولار. ويقدر أن 47 في المئة من المشتركين فقط يدفعون ثمن استهلاك الماء.
    نظرياً، تنص الآليات التشريعية السارية على حماية المياه الجوفية في كل المجالات، وحماية المياه بصفة عامة. وقد دفع التوسع الحضري والزراعي والصناعي السلطات المختصة الى اللجوء أكثر فأكثر الى المصادر الجوفية. ويتم كل سنة إنجاز آبار جديدة وتجميع المنابع، سواء من قبل الافراد لأغراض زراعية أو من قبل الجماعات المحلية لتزويد السكان بماء الشرب أو لتلبية المتطلبات الفلاحية.
    المياه المجمعة مهددة بتدهور نوعيتها الفيزيوكيميائية والميكروبيولوجية، نتيجة لعدة عوامل، منها: السقي بالمياه غير الصالحة، استعمال الأسمدة الكيميائية والعضوية، صرف المياه القذرة في الوسط الطبيعي بلا معالجة، بناء منشآت تجميع المياه من دون مراعاة المواصفات الفنية المطلوبة مما يعرض المياه للتلوث.
    واقعياً، ما زالت النصوص والآليات التشريعية بعيدة كل البعد عن ضمان حماية الأحواض الواسعة للمياه الجوفية. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة لمياه التجاويف الغازية (KARSTI) التي تستلزم إنشاء أحواض يستحيل حمايتها تشريعياً، وهي أكثر عرضة للتلوث بسبب انتقالها عبر القنوات والتجاويف، ما يسمح بمرور كميات كبيرة منها من دون تصفية ذاتية.
    السائد في الجزائر هو أن معظم منشآت تجميع المياه أنجزت في إطار برامج مستعجلة، لتوفير المياه كمرحلة أولى على أن تأتي حمايتها من التلوث كمرحلة ثانية، في حين أن الخطوتين يجب أن تكونا غير منفصلتين.
    عيون باتجاه السماء
    قطع المياه وتوزيعها حصصاً بات الحل الغالب الذي يهرع اليه مسؤولو هذا القطاع. ويحظى كل مواطن بأقل من 100 ليتر في اليوم، وهي كمية أقل من الحد الأدنى الذي تنص عليه منظمة الصحة العالمية وهو150 ليتراً.
    لقد سئم الجزائريون تدفق الماء ليلاً عبر الحنفيات مرة كل ثلاثة أيام، خاصة في المدن الكبرى، وما يصاحبه من تذبذب النوم وإضعاف الطاقة على العمل. والحال أكثر ايلاماً بالنسبة الى أطفال القرى، فعند عودتهم من المدارس مباشرة تستبدل حقائبهم بأوعية لملء الماء، فينتشرون بحثاً عن نبع أو حنفية. وتلجأ بعض العائلات الى تخزين الماء في الصهاريج والأحواض ومغاطس الحمام والقوارير، أو تشتريه من باعة متجولين ومن شاحنات صهاريج. في وهران، مثلاً، يباع ليتر الماء بدينار (الدولار الأميركي يعادل 100 دينار جزائري)، وهو غالباً رديء النوعية وفيه نسبة كبيرة من الملح، ويصعب حصر تنقل الأمراض الناجمة عن تلوثه.
    أمام هذا الوضع، أصبح الاعتراف بهذا النوع من تجارة المياه أمراً لا مناص منه، وتحت إطار قانوني صارم يفرض على كل تاجر حيازة رخصة من المجلس الشعبي البلدي ومكتب الوقاية البلدي، بناء على شروط ومواصفات للصهريج والبئر التي يستقى منها الماء، لتحديد هوية التاجر ومصدر الخطر إن حصل.
    "ماء صالح للشرب" عبارة يكتفي تجار الماء بكتابتها على الشاحنات. لكن الصهاريج تكون غالباً من الألومنيوم أو البلاستيك. ومعظم تجار الماء أميون، وليست لديهم أي معرفة بنوعية الماء ومصادره وأسباب تلوثه وأثر ذلك على صحة الانسان. ما يهمهم فقط هو بيع هذه السلعة وقبض الثمن. إن صلاة الاستسقاء أجدى من شراء ماء ملوث، وهي شائعة في أنحاء البلاد.
    المشاريع وغياب الوعي
    أدى الانفجار السكاني الى تمدد فوضوي للمدن في جميع أنحاء البلاد. والحصيلة تراكم مشاكل التطور اللارجوعي (irreversible) وندرة المصادر الحيوية مع اضمحلال شبه عام للقيم التي تضبط قواعد التعامل مع هذه المصادر وعلى رأسها الماء. ومن الأمثلة على العشوائية والتناقضات التي تطبع المشاريع والتخطيطات أن مشروع سبخة وهران، عاصمة الشمال الغربي، الذي يرجع تاريخه الى 113 سنة، عاد ليطفو على سطح تفكير المسؤولين الذين أدركوا أخيراً أهميته. وبانتهاء تهيئة هذه السبخة سيكون لها تأثير كبير على مجموع العناصر الاقتصادية والاجتماعية والفلاحية والمناخية والبيئية، بفضل توفير احتياطي 72 ألف متر مكعب من الماء وضمان سقي ما يفوق 100 ألف هكتار. مثال آخر هو سد زردازة في ولاية سكيكدة، المهدد بالاغلاق بسبب سوء أشغال الصيانة وارتفاع كمية التسربات الى 4000 متر مكعب في اليوم وما يستتبع ذلك من تبديد للأموال.
    وتقوم الدولة بتمويل مشاريع لتحلية مياه البحر، وهناك 4 محطات في سكيكدة و11 محطة في الجزائر العاصمة بقدرة قد تصل الى 80 ألف متر مكعب في اليوم. وقد اقترحت الوكالة الوطنية للسدود إبرام عقد تحويل مياه سد "تكسبت" في اتجاه تيزي وزو وبومرداس والعاصمة بمبلغ يتجاوز 20 بليون دينار و360 مليون يورو. والسؤال المطروح هنا: هل هناك مخطط للتوعية والتبسيط حول هذا المشروع الضخم، أم هي قضية رصد أموال وانتهت، مع العلم أن مشاريع مثل هذه هي منعطف هام في مسار الحياة التنموية لأي منطقة.
    المؤسسات الكبرى والشركات الناجحة لم تصل الى ما وصلت اليه إلا لأنها تولي جانب "التوعية" حيزاً كبيراً ضمن منهجياتها. والحال ليست كذلك في معظم مؤسساتنا وشركاتنا! من جهة أخرى، ويواجه الاستهلاك في الجزائر مشكلتين أساسيتين هما: الكم الآخذ في الارتفاع نتيجة الطلب، والنوع الآخذ في التدهور نتيجة التلوث. لذلك يجب إدخال مفهوم "النوعية ـ السلامة ـ البيئة" ضمن أنظمة التزويد بمياه الشرب، ومراقبتها عن طريق تقييم وإشراف دائمين وصارمين حفاظاً على صحة المستهلكين
    وتطبق هذه المعايير الثلاثة انطلاقاً من إنشاء البنية التحتية، مروراً باستخراج الماء ونقله ومعالجته وتخزينه، وصولاً الى توزيعه على المستهلكين. ويعتبر التحكم في هذه الثلاثية تحدياً استراتيجياً يعزز فعالية قطاع المياه ليتحول من قطاع معيق الى مضخة حقيقية للتنمية المستدامة.
    http://www.afedmag.com/
  • You might also like